وريد الحبر
القصة و ما فيها

:: بعد الذي كان …

مساء 19 آب 1991

يبدو أني كنت أميل ضمنياً إلى النهاية لأي تفصيل مهما كان ، و إذا حدث و كنت وسيطاً بين طرفين كنت أقدّ أجوبة جاهزة بطريقة معلبة تعجل في نهايتهم ... وإلا لماذا أكون الوحيد الذي تنتهي علاقة حبه ؟

من هذه العلاقات و بعيداً عني إلتقى صديقي و ابنة خاله ..

لم يكن الرنين المغناطيسي الوسيلة التي طلبها الطبيب " فلان " للكشف عن مرض أمها بأقل من الرنين الذي اجتاح عينيهما وعواطفهما في هذا الممر الطويل للمشفى أو حتى رنين قطرات المياه في مسيل القرية التي جمعت فيما سبق عائلتان كُتب لإحداها حصد محاصيل البور … وللثانية ترك القرية البيت الطيني والجيرة التي لا تقابل في نظره إلا بوجه قاسٍ …

ربت على الكرسي أن تجلس بجانبه تاركاً لفضاء هذا الممر استعادة علاقة عادت بعد سبع سنوات عجاف بنضج كالسقوط …

جلسا إلى الممر وكانت الذاكرة ثالثهما …

 زوجان من العيون إحداهما تنظر بلا ملل في أرضية الممر اللامعة إلى أشكال الوجوه التي رصفت في البلاط … غافلها أو غافل صمتها – لا فرق – وذهب لملاقاة الممرض … مستفسراً عن حالة أمها متسائلاً عن إمكانية نقلها بواسطة نقل شعبية حسب قدرته لأن جيبه المليء فقط بيديه والتي ستملئ فيما بعد بيديها وهما في الطريق إلى بيت خالها الذي يقع في ضواحي العاصمة …

جلسا في السرفيس و لا أعلم كيف بدأ الحديث لكنهما يعلمان أن السؤال الذي راودهما عن

نفسيهما خرج بعد مخاض صمتيّ طويل …

 لماذا حدث ما حدث ؟…

أحداث كثيرة تحدث دون أن يكون لنا يد فيها … نتأثر بها … ننفعل معها… ربما لأننا سلبنا حتى الاسم … كيف يمكن أن نمشي منتعلين هويةً تبدأ بمكان ولادتنا وتنتهي بلون العيون والبشرة ؟؟؟؟

نعشق الأحرف الأولى .. نكتبها … نسير فرحين ببدء لم نختره … تخترق الذكريات صور أطفال كثيرون يلعبون في الشوارع …ينتهكون حرمة السكون الذي جردهم من سراويلهم دون أن يدروا أن هناك أطفالاً صرخوا لتوهم تظاهرة الوجود القسري  هؤلاء الأطفال كتب في لوح الأقدار

               أنهم يوماً ما سيسكنون لبعضهم …                                                                  

لماذا حدث ما حدث ؟…

سؤال زاد مساحة الذاكرة وعلّق على حيطانها اتهامات لم تخرج في وقتها

-         أنتِ السبب قال في سره …أجابته في سرها بل أنت السبب !!…

 الجرأة التي اتهما بعضهما بفقدها رمت ثقلها على رأس المريضة الممددة في المقعد الخلفي لأنها أفاقت خلسة عنهما …

-         أنتَ كنت فظاً… قاسياً تتعامل مع الأمور ببرودة حجر الشتاء وإهمال السماء …

-         وأنتِ كنت ناراً تتوج حرارتها بفراشات الحقول …

-         تركتني عند أول امتحان

-         وهل يحتمل الحب امتحانات ؟ … أحس أن السؤال الذي أسكتها عن الإجابة … أسكته كذلك فبدأ البحث عن جواب في صمته الذي زاد الصمت صمتا ً

في غفلة الصمت تلك دخلت أخته سهرت قليلاً رجتهما بشيء من الخجل أن يذهبا للنوم …

 لم يجيباها … سألت – هل تشربان شيئاً ؟ وضعت ابنتها الصغيرة بينهما وذهبت بخيبة ممزوجة بقلق لتحضر الشاي كانا يلاعبان الطفلة عندما كانا يختلسان النظر إلى أيديهما لامس يديها كاللمع فارتجفت كالبيوت

-         ما بكِ ؟…

-         لا أعرف …

-         البارحة أمسكت يدك …

-         لا أعرف ماذا حدث لي البارحة  … خبئ ال لماذا

وقال ببرودة

-    حسناً … حسناً حتى الآن لا شيء يجبرك على الاستمرار بإمكانك التراجع أما إذا أردت الاستمرار فعليك أن تعلمي أنه عندما تقولين أحبك عندها كل جزء من أجزائك هو حق لي كلّ عضو … علقت الجملة الأخيرة في ذهنها وسحبتها إلى أعضاء بقيت حتى بعد زواجهما تخجل من تسميتها … عندما أحس أن الوضع أخذ حدية أكثر من اللازم قام وأطفأ المدفأة

-         أردتُ فقط أن تقرئي لي الكف …

-         من قال لك أني أعرف قراءة الكف ..؟

-         من يملك عيوناً كعيونك … يستطيع قراءة العيون أيضا … وبسط كفه … فوجئت أن يده خاليه من الخطوط

-         ماذا سأقرأ لك ؟

-         ألا تري شيئاً ؟

عندما أمعنت النظر … سكنت دمعتها في كفه … هذه المرة ذهبت أخته لتحضر القهوة …تجرأ وأمسك يدها فأضاءت الكهرباء التي كانت مقطوعة طيلة الليل وحتى خيوط الفجر …

تحدث بعد طول صمت كانت لا تنظر إليه هل تعرفين يا أسمى ؟ وصمت …

فوجئت بالصمت … نعم ؟ ونظرت ...

-         لا شيء أردت فقط أن تنظري في وجهي … يا الله ما أجمل نعماك هذه …هل تبايعيني لقلبك حاكما مطلقاً لا دستورياً ….

-         نعم …أبايعك …

دخلت أخته حاملة إبريق المتة بعدما سلّمت أن السهرة ستمتد للصباح …

 

 

 

 

صبيحة 22 نيسان 2003

ألا تعتقدين أيتها الغالية أن ما سردته الآن – و أنت لا تسمعيني – جدير بأن يكتب و أن صديقي هذا يستحق قصة على الأقل كهدية ؟؟؟؟ 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية