- صباح الورد - ......... - " قد يألف المرء وجوهاً ، يراها و لكثرة ما يراها يعتقد أنه يعرفها فلا يعود يميز بين وجوه يعرفها و أخرى لا ، فيلقي سلاماً و يمنع آخر و يتلعثم بثالث و يجهر برابع و يخفت بخامس ، تماماً كأحلام الطفولة يراها و لا يعرف هل هي أحلام أم واقع ، فهل أعرفك ؟؟ - ......... كانت وقفتها توحي بأنه لا يعرفها أو أنهما لم يتعارفا بعد تنظر من خلف شعرها الذي تقسم آلاف الأيمان أن يدا غجرية احترفت فن الحنّاء و حضرته من أعشاب ورثتها من أسلافها ( القرامطة ) و جاءت لتلون هذا الحيز من الوجود بصورة لا يمكن تكرارها إلا مرة واحدة كل مئة عام كانت وقفتها لا تدل على سن النضوج الذي تجاوزت فيه الاقتراب من الأربعين و كأنها احتفظت بتلك الصورة عندما جاء المصور ليطبعها على ذاكرة الفضة ، وقفت مثنية القدم و يدها اليمنى تقبض على أصابعها إلا السبابة التي أخذت تدور على بنطالها و اليد الأخرى تبحث عن جيب تسند توترها عليه تاركة حقيبتها تنزلق على ساعدها البض ، بقليل من الاكتراث و كثير من الارتباك استعانت بهما لتبدد إرباكها فازداد و سقطت الحقيبة .... في هذه الأثناء اقتربت السيارة التي تقلهما كلٌ إلى وجهته ، في كل صباح كانا يلتقيا و كان ينزل عند أول موقف في وسط المدينة و كانت هي تكمل المسير .... إنها اللغز الذي يبدد تأمله في السماء و في سيره و في كل شيء في المرة الثانية صمم أن لا ينزل عند الموقف الأول و أراد أن يتبعها ... أين تذهب تلك الجنية الهاربة من ريف الأنوثة ؟؟؟ لكنها في المرة الثانية لم تأتي و لم تأتي بعدها و بعدها لم تأتي .... كان انتظار أن تأتي يشبه من يحصي المتبقي له من ساعات في الخدمة الإلزامية ، و لأنها صارت كذلك قرر أن يبدد صورتها بين صور كثيرة في يومه و حياته عاد إلى عاداته : ينزل عند أول موقف يشعل لفافة تبغ و يسير على حواف المدينة راصداً استيقاظ الأحياء الشعبية و خروج الأطفال و منجزات النساء في الليل !! و مرات كثيرة كان يفكر بصوت عال مستخدماً آلة تسجيل و ما أن يصل إلى مقر عمله حتى يفرّغ ما صرخه على الورق . هذه المرة ، كمن وجد لقيا ناغوص ثنوي بينما هو يبحث عن توحيد الأسلاف . جاءته تلك الصورة المؤنثة فكيف يريد من نفسه أن يتجاهلها هي الناسفة كل الأبجديات ؟؟ جلس قربها .... لم يحدثها كثيراً ، اعتقد أنها من نوع الأطفال الذين لا يتكلمون إلا إذا نسفوا الحضور و اعتادوا الأشخاص ، و لأنه لم يردها أن تعتاد قرر الصمت ، أخرج آلة تسجيله و أراد أن يفكر بصوت عالي إلا أن إصرار المحرك النشط على عنينه أجبره على دفن آلته في جيبه و استعاض عنها بجهاز جوال مزود بآلة كاتبة ، رآها تنظر إلى لوحة الجوال بخوف و تمني .... كتب : من أنت ؟ قرأت العبارة الأولى فأخرجت جوالها و كتبت دون أن تنظر أنه أكمل " من أنت ؟ أيتها المبددة لتعب يوم سابق ؟ أيتها الباعثة لأمل مبتور ؟ أيتها النائمة على ذراع كوشم الدم " كتبت على جوالها رقم ، مسح ما كتبه و أسرع بطلب الرقم الذي قرأه رن جوالها ، عندما حان الموقف الأول أراد أن يفعل ما قرر : لن ينزل ، سيتبعها ... إلا أنها لم تنزل في الموقف الثاني و بعده لم تنزل و لم تنزل بعده و هما في طريق العودة إلى موقفهما الأول أراد أن يحدثها بين نزول الركاب و صعود الآخرين ، إلا أنه شعر أن أمرهما سينكشف و أنه سيهدي سائق السيارة سيرة اليوم ، فنزل عند أول موقف ( يبدو أن المواقف تبدلت ) ثم طلب رقمها : أراك عند الموقف الثاني ؟ و انتعل سيارة أجرة إلى هناك و بعيداً عن نظر السائق انتظرها ... أخرج آلة تسجيل و بدأ يفكر بصوت عالي : منذ زمن بعيد لم تنبت لي دمعة ذرفتها هنا منذ زمن ، كاد أن يطول و الصور التي أصلبها على جدراني ( أذن من طين و أخرى من ورق ) منذ زمن و أنا أزرع صغيراتي بذوراً لثورات لن تقوم و كأني حمّلت الأزهار رائحة الدم كأني لونتها حيث تجري الأنفاق بطعم العطش ! منذ زمن : حيث كان يا ما كان كان هناك شهريار يحلم بشهرزاد لا تقتل بعد اليوم الأول ... الكل يعتقد أن شهريار بنا عرشه على نهود النساء وتغرقهن بين يديه بالشهوة التي لم تخرج إلا عند خصره و كسا عرشه بآهاتهن بعد أن يقضي وطره منهن ! لكنه ! كان فاغر الفاه ، ينظر بقلب طفل إلى تلك الموبوءة بالحكايات يسمع و يرى و يسأل نفسه .. منذ متى تعلمتْ الحكايات ؟! منذ متى تعلمتْ السرد ؟! منذ متى تعلمتْ ؟!!! و دون أي خوف كان ينام على فخذها المكسو بالدفء دون أن يفكر بيد شهرزاد التي حملت سيف مسرور !!!!!!! ........ دفن آلة تسجيله عندما وصل إلى جانبها نظرت إليه و هي تبتسم ( ربما سمعتني قال لنفسه ) ثم قال : ما رأيك ؟ لم تجبه وصعدا مع السيارة التالية صعوداً إلى موقفهما الأول سارت مسرعة تسبقه و تركت الباب مفتوحاً دخل كالمستجير من مطر السماء و أجابته بسرعة على ثرثرته
الاثنين, 28 يوليو, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








